الفن والسينماالمسلسلات العربية

| الدراما المشتركة بلا هوية و


 


مايا الحاج


 


تحتلّ الدراما في موسم رمضان حيّزاً كبيراً في وسائل التواصل الاجتماعي. وفي هذا الشهر تحديداً، تتحوّل قضية الدراما المشتركة إلى لعبة “شدّ حبال” بين محبّي الدراما السورية ونجومها من جهة، والمدافعين عن الدراما اللبنانية وأبطالها من جهةٍ ثانية. وقد يعود هذا التفاعل إزاء الأعمال المشتركة جرّاء نسب المشاهدة التي تُحقّقها في لبنان وسورية ودول عربية أخرى.


من الأقوى؟ من الأهم؟ من المستفيد؟ مقارنات تُحيل السجال “عنصرياً”، ليدافع كلّ فريق عن رأيه، استناداً إلى جنسيته. وقد ازدادت وتيرة هذا الجدال بعد تصريحات بدت “مُستغربة” من ممثلين لبنانيين وسوريين، على رأسهم “نجمة” الدراما المشتركة التي قالت إنها تُفضّل الممثل اللبناني في حين أنّ أعمالها دائماً بمساندة أحد النجوم السوريين.


وإذا راقبنا السجال الدائر الكترونياً، نجد أنّ المتابع اللبناني ممتنّ لهذه المسلسلات المشتركة، لكونها سمحت له بأن يرى الممثلين اللبنانيين في أعمال ضخمة انتاجياً ومبهرة تقنياً، بعد عقدين من “غيبوبة” درامية سبّبتها الحرب الأهلية. وهو مُحقّ في ذلك، لأنّ لبنان لم يكن يملك “صناعة”، وإنما يملك “طاقات”. أمّا في سوريا، فالوضع مختلف. الدراما هي صناعة مُكرّسة منذ سنوات، وقد استطاعت أن تتطوّر الى حدّ منافسة الدراما المصرية، التي كنا نسميها في وقتٍ من الأوقات الدراما العربية. من هنا، نجد أنّ المشاهد “السوري” راضٍ بدرجة أقلّ عن الاعمال المشتركة، التي حرمته من رؤية نفسه وبيئته على الشاشة.


فقدان الهوية


وبين هذا الرأي وذاك، نرى أنّ الاعمال المشتركة نجحت في أن تحظى بمتابعة عربية واسعة، لا تقف عند حدود دولة معينة. ولكن المشكلة أنها تعجز غالباً عن إيجاد علاقة بين الشخصية والزمان والمكان، وهو ركنٌ أساسي من أركان البناء الدرامي. لذا، تبدو هذه المسلسلات وكأنّها تحدث في “اللامكان”، من خلال شخصياتٍ لا تحمل “بصمة” هوياتها.


والمفارقة، أنّ معظم المسلسلات اللبنانية التي صوّرت بعد الحرب الأهلية، لجأت الى قصصٍ منفصلة عن الواقع، وخالية من اي ملمح سوسيو- بوليتيكي، لتحكي عن شخصياتٍ آتية من “الفراغ”، بأسماءٍ لا تدلّ على هويةٍ، أو طائفة، على النقيض من واقعنا اللبناني المعيش.


لذا، فإنّ المشاهد اللبناني المُعتاد على “العمومية” لم يتغرّب أثناء متابعة عمل عربي مشترك لا يحترم خصوصية البيئة التي تنطلق منها الأحداث. وبخلاف ذلك، اعتاد المتفرج السوري أن يُشاهد أعمالاً متجذرة في ثقافته المحلية، تحاكي يومياته، وتتكلّم بصوته “المقموع”، بدءاً من الدراما الإجتماعية مثل “أسرار المدينة” و”ذكريات الزمن القادم” و”زمن العار” و”ولادة من الخاصرة”، وصولاً إلى أعمال البيئة الشامية والحلبية مثل “خان الحرير” و”ليالي الصالحية” و”باب الحارة”. بالإضافة إلى أعمال كوميدية “بسيطة” في أسلوبها، لكنها لافتة في تفاصيلها وفي عمق فهمها للمكان، مثل “مرايا” و”بقعة ضوء” و”يوميات مدير عام” و”الفصول الأربعة” وغيرها.


من هنا، نجد أنّ الدراما المشتركة التي منحت الفنان السوري- ممثلاً وكاتباً ومخرجاً- “نجومية” أكبر، أفقدته في الوقت عينه هويته “السورية” الأصيلة. وهذا ما يُذكرنا بمقولة السينمائي العظيم عباس كياروستامي حين قارن نفسه بالشجرة التي لا تزهر الا بتربتها، قائلا: “إذا انتُزعت شجرة ووُضعت في مكان آخر قد تنمو، وإنما لن يكون لها العطر الجميل نفسه”.


أولاد آدم


من بين هذه الأعمال المشتركة، يعتبر “أولاد آدم” (كتابة رامي كوسا، إخراج الليث حجو، إنتاج إيغيل فيلمز)، خطوةً نحو تأسيس أرضية “واقعية” قد تقوم عليها المسلسلات المشتركة. بعدما كانت هذه الأعمال تطفو في مكان ما، بلا روح وبلا ملامح، استطاع “أولاد آدم” أن يقترب من واقعٍ يعيشه المواطن اللبناني واللاجئ السوري، على حدّ سواء.


يقوم المسلسل على ثلاثة مسارات أو ربما عوالم متوازية. في المسار الأول، الطبقة العليا متمثلةً بإعلامي مشهور متزوج من قاضية معروفة وأصدقاء من أصحاب المال والقرار. وفي المسار الثاني، الطبقة السُفلى من المجتمع متمثلة ب”لصّ” من دون أوراق رسمية وحبيبته الراقصة في الكباريه. بينما يدور المسار الثالث حول عالم السجون بكل ما فيه من تفاصيل مخيفة نراها عبر شخصية عبلة، زعيمة السجينات وزينة المتمردة ونبيل، آمر السجن. وتأتي هذه المقاربة المجتمعية بأبعادها الثلاثة لتمنح العمل تميّزه بين أعمال مشتركة أخرى تدور بمعظمها حول ثنائية واحدة (قصة حب)، وأحياناً حول بطل أوحد مثل “الساحر” (عابد فهد)، و”النحات” (باسل خياط).


وإذا كان الكاتب كوسا قد نجح في رسم مساراتٍ متنوعة ومتوازية، فإنّ المخرج السوري الليث حجو وضع متفرّجه أمام تقنية انسيابية تنقله من مشهدٍ إلى آخر، أو الأصحّ قولاً من عالمٍ إلى آخر، مع التغيير المستمرّ في سلّم الضوء التدريجي Clair-Obscur، ليمنح كلّ “منظومة” درجة لونية تُعبّر عنها: “الفاتح” (البيوت المرفهة)، “الداكن” (بيوت المهمشين)، “الرمادي” (السجن). ولكلّ واحدة منها “كادرات” خاصة تدلّ على هندسية العين الإخراجية. وقد جاءت هذه الإمكانات في مصلحة الممثل اللبناني خاصةً، بحيث تمكّن من إظهار إمكاناته التمثيلية بعد سنواتٍ من “القحط” الدرامي. ولهذا، تجلّى الممثلون اللبنانيون “المحترفون” في مَشاهد السجن الذي تقاسمه كلٌ من رودني حداد وكارول عبود وندى بو فرحات وطلال الجردي. ولعلّ مشاهد الذروة هي التي جمعت بين عبلة (كارول عبود) وزينة (ندى أبو فرحات)، اللتين التقيتا في مسرحية “الخادمتان”، للمخرج العراقي جواد الأسدي .


 وإذا كان المسلسل بعوالمه الثلاثة هو ترسيخ لفكرة “الخطأ” أو لنقل “الخطيئة” الملازمة للإنسان، فإنّ المشكلة تبقى في تشعّب القضايا وكثرتها، بدءاً من فكرة النفاق الاجتماعي، وحماية الشرطة “للحرامية”، والتدخّل في القضاء، وتهريب الأموال، وصولاً إلى آفة المخدرات وتعنيف الزوجات والعقد الجنسية وزعامات المساجين واختراق خصوصية الآخر عبر الهواتف… ولا شك أن “زحمة” القضايا تُفقد العمل شيئاً من عمقه، وخصوصيته.


أمّا مسلسل “النحات” (تأليف بثينة عوض، وإخراج التونسي عامر فهد)، و”الساحر” (تأليف سلام كسيري وإخراج عامر فهد)، فتمّ توقيف عرضهما بعد الحلقة ال15 بسبب عدم التمكن من استكمال التصوير، وهذا ما يحصل للمرّة الأولى في موسم درامي. في الأول، تدور الأحداث حول ثلاث شخصيات يلعبها الممثل السوري باسل خياط: “يمان، الأب، رند”. تتأرجح القصة بين ماضٍ وحاضر، بينما يبقى اللغز محيراً.


وفي “الساحر”، تتمحور الحكاية على “مينا” (عابد فهد)، شاب سوري بسيط بلا أوراق تقوده الأقدار الى عالم الكبار ليبيعهم “الوهم”، ويغدو ثرياً مثلهم. وبعيداً عن أداء فهد الممتع في أي دور يلعبه، سقط العمل في مشاكل كثيرة خلخلت ترابطه ومنطقيته. وأمام هذا الواقع، قد يسأل أحدنا: لماذا لا يتمّ التخلّص من عبء الحلقات الثلاثين، والاكتفاء بنصف عدد الحلقات لإنقاذ المسلسلات من التطويل والمُشاهد من الملل؟

Show More

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published.

Back to top button