أدب وشعرالتاريخ العالمي والإسلامي

الدولة العامرية.. هنا بداية سقوط الأندلس

الدولة العامرية.. هنا بداية سقوط الأندلس

يُنسب للحاجب المنصور بأنه كان أحد أقوى حكام الدولة الإسلامية في الأندلس طيلة بقائها ثمانية قرون، حيث وصلت في عهده الدولة لأقصى اتساع لها، ويصف المؤرخ الأندلسي ابن عذاري، في كتابه «البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب» فتوحات الدولة العامرية قائلًا: «غزا محمد بن أبي عامر في حياته 54 غزوة، لم يُهزم أبدًا في واحدة منها»، حتى أنه يوصف في التراجم المسيحية بأنه أحد أعظم من حكم الأندلس، وهز عروش الممالك المسيحية على الإطلاق.

يقارن المؤرخ المصري محمد عبد الله عنان في موسوعته «دولة الإسلام في الأندلس» بين أقوى خلفاء بني أمية الخليفة عبد الرحمن الناصر، وبين الحاجب المنصور: «إذا كان عهد الناصر ألمع صفحة في تاريخ إسبانيا الإسلامية، فإن عهد المنصور لا يقل لمعانًا وتألقًا، بل ربما امتاز على عهد الناصر بما أحرزه من تفوق في السلطان والقوى العسكرية، وقد لقى الناصر نفسه على يد النصارى أكثر من هزيمة فادحة، أما المنصور، فقد انتهت إسبانيا النصرانية إلى حالة يُرثى لها من الضعف والتفكك، وقد وصل إلى مواطن لم يبلغها فاتح مسلم من قبل».

حكم الحاجب المنصور الأندلس قرابة ربع قرن، مؤسسًا دولة داخل الدولة، وفي عام 392 هجريًا، كان ابن أبي عامر في إحدى غزواته حين اشتد عليه المرض، وتثاقلت عليه الجروح، فأوصى لابنه عبد الملك بالحجابة من بعده، بينما حصل ابنه الآخر عبد الرحمن على قيادة الجيش، واستمرت الوصاية نحو تسع سنواتٍ على الخليفة هشام المؤيد بالله، وبعد موت عبد الملك خلفه أخوه عبد الرحمن شنجول في الحجابة، وهو الذي يُنسب إليه سقوط الدولة العامرية، وسقوط الدولة الأموية، وبداية سقوط الأندلس.

أعلن عبد الرحمن شنجول نفسه وليًا للعهد، وهو ما كان كافيًا للثورة التي شهدتها الأندلس، والتي انتهت بقتله وخلع الخليفة وتنصيب الأمير الأموي محمد المهدي بالله، الذي تصفه المصادر التاريخية بأنه لم يكن جديرًا بالحُكم، وتسببت سياساته الطائشة في اقتتال الأمراء داخل البيت الأموي.

قام محمد المهدي بسجن الخليفة المخلوع المؤيد بالله، ونفى ولي عهده، وسجن عددًا من كبار الأسرة الأموية، وقرر تسريح 7 آلاف جندي من الجيش، وحين كثر الخصوم عليه دارت معركة كان النصر فيها حليف المهدي، ليضطر الأمير الأموي المستعين بالله الاستعانة بملك قشتالة الإسباني لهزيمة المهدي والوصول إلى الحُكم. وبالرغم من انتصاره وتنصيبه خليفة، إلا أن فلول جيوش المهدي الهارب اتصلت بملك قشتالة وطلبوا مساعدته نظير دفع مبلغٍ ضخم من النقود الذهبية، وحين انتصر الجيش على المستعين بالله دخلوا قرطبة وحرروا الخليفة المؤيد بالله ليتولى فترة خلافته الثانية.

أدرك الخليفة المؤيد بالله أنّ مملكة قشتالة تضرب الأمويين بعضهم ببعض، وأنها خطرًا كبيرًا على مُلكه، ولكثرة الحروب الداخلية التي خاضها لم يكن له طاقة بها، علاوة على أنه لم يستطع أن يرفض طلب الملك الإسباني بإعادة الحصون الحدودية التي فتحها أبوه المستنصر بالله ومن بعده الحاجب المنصور، والتي بلغت نحو 200 حصن حتى توسعت حدود المملكة التي لم تقدم شيئًا بالمقابل للمؤيد بالله، حين حوصر من البربر الذين أسقطوا مُلكة واستباحة قُرطبة، وعيّنوا المستعين بالله مرة أخرى للخلافة الثانية.

لكنه لم يمض سوى ثلاث سنوات حتى قُتل عام 407 هجريًا، وتولي من بعده أربعة أمراء على التوالي (المرتضى بالله، والمستظهر بالله، والمستكفي بالله، والمعتد بالله). وفي عام 418، سقطت الدولة الأموية بعدما أغرقتها الدماء وتمزقت أوصالها من كثرة الصراع على الحُكم، وظهرت حقبة ملوك الطوائف بإعلان كل أمير نفسه خليفة لإمارة صغيرة، وبذلك كانت بداية النهاية لسقوط الأندلس وفقدان فردوس المسلمين الضائع.

Show More

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published.

Back to top button