اللغات واللهجاتعلوم وثقافة

*** العقد الفريد *** آفات المنطق











 https://i.imgur.com/262L53I.png








اسم الكتاب: العقد الفريد
المؤلف: أبو عمر، شهاب الدين أحمد بن محمد بن عبد ربه ابن حبيب ابن حدير بن سالم المعروف بابن عبد ربه الأندلسي (المتوفى: 328هـ)
الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت








 


آفات المنطق
تكلم ابن السماك يوما وجارية له تسمع كلامه، فلما دخل قال لها: كيف سمعت كلامي؟ قالت: ما أحسنه لولا أنك تردّده. قال: أردّده ليفهمه من لم يفهمه. قالت:
إلى أن يفهمه من لم يفهمه يملّه من فهمه.
الأصمعي قال: قال معاوية يوما لجلسائه: أيّ الناس أفصح؟ فقال رجل من السماط: يا أمير المؤمنين، قوم قد ارتفعوا عن رتّة العراق، وتياسروا عن كشكشة بكر، وتيامنوا عن شنشنة تغلب، ليس فيهم غمغمة قضاعة، ولا طمطمانية حمير.
قال: من هم؟ قال: قومك يا أمير المؤمنين، قريش. قال: صدقت! فمن أنت؟ قال:
من جرم. قال الأصمعي: جرم فصحاء الناس.


وهذا الحديث قد وقع في فضائل قريش؛ وهذا كان موضعه فذكرناه.
قال أبو العباس محمد بن يزيد النّحوي: التمتمة في المنطق: التردّد في التاء.
والعقلة: هي التواء اللسان عند إرادة الكلام. والحبسه: تعذر الكلام عند إرادته.
والّلفف: إدخال حرف في حرف. والطمطمة: أن يكون الكلام مشبها لكلام العجم.
والّلكنة: أن تعترض عند الكلام اللغة الأعجمية- وسنفسر هذا حرفا حرفا وما قيل فيه إن شاء الله- والّلثغة أن يعدل بحرف إلى حرف. والغنّة: أن يشرب الحرف صوت الخيشوم؛ والخنة، أشد منها. والترخيم: حذف الكلام. والفأفأة: التردّد في الفاء؛ يقال: رجل فأفاء، تقديره فاعال: ونظيره من الكلام، ساباط، وخاتام، وقال الراجز:
يا ميّ ذات الجورب المنشقّ … أخذت خاتامي بغير حقّ
وقال آخر:
ليس بفأفاء ولا تمام … ولا محبّ سقط الكلام
والرّتة، كالرّتج: تمنّع أول الكلام، فإذا جاء منه شيء اتصل به. والغمغمة: أن تسمع الصوت ولا تبين لك تقطيع الحروف.
وأما الرّتة فإنها تكون غريزية. وقال الراجز:
يا أيّها المخلّط الأرتّ
ويقال إنها تكثر في الأشراف. وأما الغمغمة. فإنها قد تكون من الكلام وغيره، لأنها صوت من لا يفهم تقطيع حروفه. قال عنترة:
وصاحب ناديته فغمغما … يريد لبّيك وما تكلّما
قد صار من خوف الكلام أعجما
وأما كشكشة تميم: فإن بني عمرو بن تميم إذا ذكرت كاف المؤنث فوقفت عليها أبدلت منها شينا، لقرب الشين من الكاف في المخرج، وقال راجزهم:
هل لك أن تنتفعي وأنفعش … وتدخلي الذي معي في اللذمعش


وأما كسكسة بكر فقوم منهم يبدلون من الكاف سينا كما فعل التميميون في الشين. وأما طمطمانية حمير ففيها يقول عنترة:
تأوى له قلص النّعام كما أوت … حزق يمانية لأعجم طمطم
وكان صهيب أبو يحيى رحمه الله يرتضخ لكنة رومية.
وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: صهيب سابق الروم.
وكان عبيد الله بن زياد يرتضخ لكنة فارسية من قبل زوج أمه شيرويه الأسواريّ.
وكان زياد الأعجم، وهو رجل من عبد القيس، يرتضخ لكنة أعجمية، وأنشد المهلّب في مدحه إياه:
فتى زاده السّلتان في الحمد رغبة … إذا غيّر السّلتان كلّ خليل
يريد: السلطان؛ وذلك أن بين التاء والطاء نسبا، لأن التاء من مخرج الطاء. وأما الغنة فتستحسن من الجارية الحديثة السن. قال ابن الرقاع في الظبية:
تزجي أغنّ كأنّ إبرة روقه … قلم أصاب من الدّواة مدادها «1»
وقال ابن المقفع: إذا كثر تقليب اللسان رقّت حواشيه ولانت عذبته.
وقال العتّابي: إذا حبس اللسان من الاستعمال اشتدّت عليه مخارج الحروف. وقال الراجز:
كأنّ فيه لغفا إذا نطق … من طول تحبيس وهمّ وأرق
باب في الإعراب واللحن
أبو عبيدة قال: مر الشعبي بقوم من الموالي يتذاكرون النحو، فقال لهم: لئن أصلحتموه إنكم لأول من أفسده.
قال أبو عبيدة: ليته سمع لحن صفوان وخالد بن صفوان وخاقان والفتح بن


خاقان والوليد بن عبد الملك.
وقال عبد الملك بن مروان: اللحن في الكلام أقبح من التّفتيق في الثوب، والجدريّ في الوجه.
وقيل له لقد عجل عليك الشيب يا أمير المؤمنين، قال: شيّبني ارتقاء المنابر وتوقّع اللحن.
وقال الحجاج لابن يعمر: أتسمعني ألحن؟ قال: ألا ربما سبقك لسانك ببعضه في آن وآن. قال: فإذا كان ذلك فعرّفني.
وقال المأمون لأبي علي المعروف بأبي يعلي المنقريّ: بلغني أنك أمّيّ، وأنك لا تقيم الشعر، وأنك تلحن في كلامك. فقال: يا أمير المؤمنين، أمّا اللحن فربما سبقني لساني بالشيء منه، وأما الأمّية وكسر الشعر فقد كان النبي صلّى الله عليه وسلم أميا وكان لا ينشد الشعر. قال المأمون: سألتك عن ثلاث عيوب فيك فزدتني عيبا رابعا، وهو الجهل.
يا جاهل، إن ذلك في النبي صلّى الله عليه وسلم فضيلة، وفيك وفي أمثالك نقيصة، وإنما منع ذلك النبي صلّى الله عليه وسلم لنفي الظّنّة عنه، لا لعيب في الشعر والكتاب، وقد قال تبارك وتعالى:
وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ
«1» .
وقال عبد الملك بن مروان: الإعراب جمال للوضيع، واللحن هجنة على الشريف وقال: تعلموا النحو كما تتعلمون السنن والفرائض.
وقال رجل للحسن: إن لنا إماما يلحن. قال: أميطوه «2» .
وقال الشاعر:
النحو يبسط من لسان الألكن … والمرء تكرمه إذا لم يلحن «3»


فإذا طلبت من العلوم أجلّها … فأجلّها منها مقيم الألسن
وقال آخر:
الشّعر صعب وطويل سلّمه … إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه
زلّت به إلى الحضيض قدمه … يريد أن يعربه فيعجمه
وقال رجل للحسن: يا أبو سعيد، فقال: أحسب أن الدوانيق «1» شغلتك عن أن تقول يا أبا سعيد.
وكان عمر بن عبد العزيز جالسا عند الوليد بن عبد الملك، وكان الوليد لحّانا، فقال: يا غلام، ادع لي صالح. فقال الغلام: يا صالحا. قال له الوليد: انقص ألفا.
فقال عمر: وأنت يا أمير المؤمنين فزد ألفا.
ودخل على الوليد بن عبد الملك رجل من أشراف قريش، فقال له الوليد: من ختنك «2» ؟ قال له: فلان اليهودي. فقال: ما تقول؟ ويحك! قال: لعلك إنما تسأل عن ختني يا أمير المؤمنين، هو فلان بن فلان.
وقال عبد الملك بن مروان: أضرّ بنا في الوليد حبّنا له فلم نلزمه البادية.
وقد يستثقل الإعراب في بعض المواضع كما يستخف اللحن في بعضها.
وقال مالك بن أسماء بن خارجة الفزاري:
منطق بارع ويلحن أحيا … نا وخير الكلام ما كان لحنا
وذلك أنه من حكى نادرة مضحكة، وأراد أن يوفي حروفها حظّها من الإعراب، طمس حسنها وأخرجها عن مقدارها؛ ألا ترى أن مزّيدا المديني أكل طعاما فكظّه «3» وقيل له: ألا تقيء؟ فقال: وما أقيء، خبز نقي ولحم طري! مرتي


طالق، لو وجدت هذا قيئا لأكلته.
قال: وكذلك يستقبح الإعراب في غير موضعه، كما استقبح من عيسى بن عمر إذ قال وابن هبيرة يضربه بالسياط، والله إن كانت إلا أثيّابا في أسيفاط «1» قبضها عشّاروك «2» .
وحكي عن بعض المعربين للحن أنّ جارية له غنّته:
إذا ما سمعت اللوم فيها رفضته … فيدخل من أذن ويخرج من أخرى
فقال لها: من أخرى يا فاعلة، أما علّمتك أنّ (من) تخفض؟
وقال رجل لشريح: ما تقول في رجل توفّي وترك أبا وأخيه؟ فقال له: أباه وأخاه. فقال: كم لأباه وأخاه؟ قال: لأبيه وأخيه. قال: أنت علّمتني، فما أصنع؟
وقال بعض الشعراء. وأدرك عليه رجل من المتفصّحين، يقال له حفص، لحنا في شعره، وكان حفص به اختلاف في عينه وتشويه في وجهه، فقال فيه.
لقد كان في عينيك يا حفص شاغل … وأنف كمثل الطّود عما تتبّع «3»
تتبّع لحنا من كلام مرقّش … وخلقك مبنيّ من اللحن أجمع
فعينك إقواء وأنفك مكفأ … ووجهك إيطاء فما فيك مرقع «4»
باب في اللحن والتصحيف
أبو حنيفة:
وكان أبو حنيفة لحانا، على أنه كان في الفتيا ولطف النظر واحد زمانه.


وسأله رجل يوما فقال له: ما تقول في رجل تناول صخرة فضرب بها رأس رجل فقتله، أتقيده به؟ قال: لا، ولو ضربه بأبا قبيس.
وكان بشر المريسيّ يقول لجلسائه: قضى الله لكم الحوائج على أحسن الوجوه وأهنؤها. فسمع قاسم التّمّار قوما يضحكون، فقال: هذا كما قال الشاعر:
إنّ سليمى والله يكلؤها … ضنّت بشيء ما كان يرزوها
وبشر المريسي رأس في الرأي، وقاسم التمار متقدم في أصحاب الكلام؛ واحتجاجه لبشر أعجب من لحن بشر.
ودخل شبيب بن شيبة على إسحاق بن عيسى يعزيه عن طفل أصيب به؛ فقال في بعض كلامه: أصلح الله الأمير، إنّ الطفل لا يزال محبنطيا على باب الجنة يقول: لا أدخل حتى يدخل أبواي. قال إسحاق بن عيسى: سبحان الله! ماذا جئت به؟ إنما هو محبنطي؛ أما سمعت قول الراجز:
إنّي إذا أنشدت لا أحبنطي … ولا أحب كثرة التمطّي
قال شبيب: ألي يقال مثل هذا وما بين لا بتيها أعلم مني بها! فقال له إسحاق:
وهذه أيضا، أللبصرة لابتان يالكع! فأبان بتقريعه عواره فأخجله، فسكت.
قوله: المحبنطي: الممتنع امتناع طلب لا امتناع إباء، وهو بالطاء غير معجمة، ورواه شبيب بالظاء المعجمة. وقوله «ما بين لا بتيها» خطأ؛ إذ ليس للبصرة لابتان، وإنما اللابة للمدينة والكوفة. واللابة: الحرّة، وهي الأرض ذات الحجارة السود.


 




https://imgur.com/8m7aPuF.gifhttps://i.imgur.com/i12XLBo.gif

Show More

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published.

Back to top button