علوم وثقافةمطبوعات وصحافة وإعلام

بين سلطة الإعلام وسطوته


بين سلطة الإعلام وسطوته




 


إذا صح ما ذكره الصحافي «جون آرليدج» في المقال الذي كتبه في صحيفة «صنداي تايمز»، تحت عنوان «عين العاصفة»، من أن الرئيس الأميركي «باراك أوباما» يتابع البث المباشر لقناة «الجزيرة» من خلال غرفة متابعة الموقف في البيت الأبيض، و إذا تأكد ما نقله عن وزيرة الخارجية الأميركية «هيلاري كلينتون» من أن «الجزيرة قناة رائدة لأنها تساعد على تغيير أفكار الناس وتوجهاتهم»، فإن هذا التحول في مواقف المسؤولين الأميركيين يدعونا إلى فتح ملفات كثيرة، وليس ملف علاقة الإدارة الأميركية بهذه القناة المثيرة للجدل فقط، سواء اتفقنا على مواقف «الجزيرة» أم اختلفنا، وسواء اقتربنا من الهتافات التي يرددها المتظاهرون تأييدا لها أو تنديدا بها، أم ابتعدنا عن هذه الهتافات.


تاريخ العلاقة بين الإدارة الأميركية وقناة «الجزيرة» حافل بالمواقف السلبية التي اتخذتها الإدارات الأميركية المتعاقبة، منذ تأسيس القناة عام 1996 وحتى الموقف الأخير الذي ربما يبدو في ظاهره تحولا ملفتا للنظر، لكنه في حقيقته يعبر عن القلق الذي يمكن أن يسببه الإعلام، والفضائي منه على وجه الخصوص، للقيادات السياسية العليا التي من وزن قيادة الولايات المتحدة الأميركية؛ القوة الأعظم في عصرنا الحاضر دون منازع.


فمنذ أن دأبت القناة الأكثر تطرفا في نظر الكثيرين، على تغطية الأحداث الكبرى، والإدارة الأميركية تحاول إسكاتها بشتى الطرق السلمية وغير السلمية. والشواهد على ذلك كثيرة؛ ففي نوفمبر 2001 قصفت القوات الأميركية مكتب «الجزيرة» في كابول بأفغانستان، واستطاع مراسلها تيسير علوني الخروج من أفغانستان سالما، بعد أن ساد اعتقاد بإمكانية تعرضه للأذى من قبل القوات الأميركية. وفي ديسمبر 2001 تم اعتقال مصورها سامي الحاج أثناء عمله في أفغانستان، بتهمة الانتماء للقاعدة، وأودع معسكر «غوانتانامو» ليخرج منه بعد ست سنوات، دون أن توجه إليه أي تهمة رسمية. وفي إبريل 2003 قصفت طائرة أميركية مكتب «الجزيرة» في بغداد، حيث كانت القناة تغطي أحداث الغزو الأميركي للعراق، وأدى ذلك إلى مقتل مراسل القناة طارق أيوب، بينما نجا تيسير علوني الذي كان ينقل القصف على الهواء مباشرة، من الموت مرة أخرى في تلك الحادثة. وفي نوفمبر 2005 نشرت صحيفة «ديلي ميرور» البريطانية وثيقة اشتملت على معلومات تؤكد أن الرئيس الأميركي «جورج بوش»، أطلع رئيس الوزراء البريطاني «توني بلير» عام 2004 على خطة لقصف مقر قناة «الجزيرة» وبعض مكاتبها في الخارج. هذا عدا المضايقات الكثيرة التي تعرض لها مراسلو «الجزيرة» ومحللوها، حتى الماليون منهم، وسحب تصاريحهم، والقرصنة التي تعرض لها موقعها الإلكتروني، وطلب الشركة الأميركية المستضيفة للموقع في الولايات المتحدة من «الجزيرة نت» البحث عن مستضيف آخر له خارج الولايات المتحدة، بعد نشر الموقع لصور بعض الأسرى الأميركيين في الحرب على العراق.


هذا التاريخ من العلاقة غير الودية بين الإدارة الأميركية وقناة «الجزيرة»، لا يصلح أن يكون خلفية لرأي وزيرة الخارجية الأميركية الأخير في القناة المثيرة للجدل، أو يبدو في ظاهره خلفية غير مناسبة لرأي كهذا، وإن كان هذا الرأي يأتي متسقا مع المواقف الأميركية المتذبذبة والمرتبكة من الثورات التي توالت على المنطقة العربية مؤخرا، بدءا من الثورة التونسية، ثم المصرية، فالليبية، وما يحدث على الساحة في بلدان عربية مختلفة بمستويات متفاوتة، مما يشكل سببا منطقيا لزيادة عدد مشاهدي «الجزيرة» الإخبارية الإنجليزية عبر الإنترنت في الولايات المتحدة، بنسبة 2500٪ منذ بدء الانتفاضة في العالم العربي، وفق «جون آرليدج» أيضا.


منح وزيرة الخارجية الأميركية لقناة «الجزيرة» شهادة «الريادة» لأنها تساعد على تغيير أفكار الناس وتوجهاتهم، اعتراف ربما جاء متأخرا، وهو شهادة ليس لقناة «الجزيرة» على وجه الخصوص، قدر ما هو اعتراف بقدرة وسائل الإعلام الجديد والفضائيات على التغيير الإيجابي، شريطة أن لا تقع هذه الأجهزة في التضليل الذي تقف بينه وبين الحقيقة شعرة من الضروري عدم تخطيها، كي لا تتحول هذه الوسائل إلى أجهزة تحريض، وكي لا تحيد عن الطريق الذي يفترض أن تنتهجه، بعد أن فقدت وسائل الإعلام الرسمية سيطرتها على الساحة، ولم تعد المصدر الوحيد الذي يستقي المتلقي منه معلوماته ويتأثر بما يقدمه له سلبا أو إيجابا.


لقد شهد العالم العربي قبل عصر الفضائيات انتفاضات شعبية، لو أتيح لها ما أتيح لثورات عصرنا هذا من وسائل إعلام مستقلة وواسعة الانتشار كفضائيات اليوم، لتغير وجه التاريخ قبل عقود كثيرة من الزمن، ولما اضطررنا إلى الانتظار كل هذه السنوات حتى «هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية»، ولما تحولت تلك «الانتفاضات الشعبية» في وسائل الإعلام الرسمية إلى «انتفاضات حرامية» على يد وزارات الداخلية. لكن الخوف، كل الخوف، أن يدفع الحماس الزائد، وربما الغرور، وسائل الإعلام هذه إلى عدم التمييز، فلا يتبين لها الخيط الأبيض من الخيط الأسود، وتبتعد عن المهنية، فتفقد البوصلة، وتصبح ريادتها وبالا علينا وعليها. بين السلطة والسطوة شعرة، إذا لم نتبينها وقعنا في فخ، ليس مُهِمًّا من الذي ينصبه لنا، لكن المهم هو أننا لن نعرف كيف نخرج منه

Show More

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published.

Back to top button