شؤون قانونيةعلوم وثقافة

█◄•|• تقنيات التحري في الجرائم الاقتصادية |• العدد 5►█

 
المبحث الثالث:
أسباب و آثار الجريمة الاقتصادية
المطلب الأول: الأسباب الاجتماعية و الاقتصادية:
1- ضعف الوازع الديني:
إن ضعف الالتزام بالعقيدة الصحيحة و بروز الانحراف ، أدى بظهور مؤثرات سلبية على المجتمع ، طفت عليها روح التسابق نحو تحقيق الشهوات الذاتية من رفاهية  ورخاء      ولم يصبح هم الكثير من الأفراد سوى الحصول على أكبر قسط من المال مهما كانت الطريقة شرعية أم غير شرعية.
كما طغت لغة التنازع على الأموال و التسابق على مظاهر الحياة الخادعة ، جعل بأفراد المجتمع إلى الدخول في فراغ روحي انبثقت عنه أشكالا مختلفة من الانحراف و الفساد          و السلوكات التي خرجت عن إطار الوازع الديني و التأنيب الضميري.
2- عدم الاستقرار الاجتماعي:
إن الاختلال الذي مس توازن الجانبين المادي و المعنوي في كثير من المجتمعات ساهم في ارتفاع معدل الجريمة و بروز تميز طبقي ، أدى بثراء بعض المبجلين على حساب بقية شرائح المجتمع ، حيث كان هذا المناخ دافعا لبروز جرائم اقتصادية نخرت كيان الأمم.
3- الفقر و الإعوزاز:
يعتبر الفقر عقبة صعبة في وجه التنمية بالبلدان النامية ، أهم بوادره الانخفاض الفضيع لمستويات الدخل الوطني ، التصاعد المذهل لمديونية الدول الخارجية ، مهيئة بذلك مهدا لتلاشي و انعدام الأمن الاقتصادي ، فاتحا المجال لتنامي إجرام اقتصادي مواز لسد الحاجة و الإعوزاز.  
4- البطالة و انخفاض فرص العمل:
تؤكد الدراسات الميدانية بوجود علاقة وطيدة بين البطالة و الجريمة ، كما أن النظام الاقتصادي الرأسمالي المطبق في الدول الرأسمالية لم يتمكن من القضاء على البطالة التي تعتبر من أهم العوامل الاقتصادية التي تؤدي إلى ارتكاب الجريمة و خاصة منها الجريمة الاقتصادية( ).  
5- الحياة المعيشية المكلفة:
إن ارتفاع تكاليف الحياة المعيشية في الكثير من بلدان العالم مقارنة مع تدني مستويات الدخل لدى الأفراد من شأنه أن يدفعهم إلى ارتكاب العديد من الجرائم ، كالتهرب الضريبي  التهريب الجمركي ، الرشوة و الفساد الإداري جراء الانحراف بالوظيفة العامة و استغلالها للحصول على ربح أو منفعة.
6- احتكار التجارة:
إن الأنظمة الاقتصادية الوضعية في المجتمعات الغربية و الشرقية لها مسؤولية كبيرة عن حدوث الجرائم الاقتصادية باحتكار التجارة و فرض سلع و خدمات رديئة على المستهلكين من شأنها أن تدفع إلى ظهور ظواهر اقتصادية تؤدي إلى ارتكاب الجرائم، ومن بين هذه الظواهر : تدهور و انخفاض معدل الدخل الوطني ، ومن ثم ارتفاع نسب البطالة و توسع رقعة التضخم. 
المطلب الثاني: الأسباب السياسية و القانونية:
إن إتباع سياسات نقدية أو مالية غير عادلة أو غير متزنة تؤدي إلى ارتكاب جرائم اقتصادية ، وذلك مثل: زيادة إصدار العملة النقدية و الإفراط فيها متسببة بذلك في ارتفاع نسب التضخم و تدهور القدرة الشرائية بانخفاض الدخل الحقيقي و عدم تلبية أدنى الحاجيات الأساسية ، نقص الرقابة و توسع الإئتمان المصرفي.
كما نجد أيضا المبالغة في حجم التعريفات و الرسوم الجبائية للضرائب و الخدمات المطبقة من طرف الأجهزة الحكومية تؤدي لا محالة إلى تهرب الأعوان الاقتصاديين      عن تسديدها و ثفل أعباءها يرغم على التحايل بعدم دفعها.
و يعتبر غياب الرقابة الجادة على السياسات و البرامج التنموية و المشاريع التي تصاحبها لا تعد عائدا اجتماعيا جراء الفساد الذي يطغى على بعض الموظفين القائمين على إدارة القطاع العام ، حيث يتخللها تسرب عمولات مالية مهمة كرشوة قصد إقامة مشاريع وهمية ، متسببة بذلك في تفاقم هذا النوع من الإجرام.   
المطلب الثالث: آثار الجريمة الاقتصادية:
الآثار العامة للجريمة الاقتصادية:
إن للجرائم الاقتصادية آثار سيئة و أضرارا اجتماعية خطيرة ، فهي تعمل   على زيادة البطالة في المجتمع و التي يحدث عنها مشاكل و مفاسد اجتماعية و اقتصادية خطيرة.
فالمجتمع الذي تتفشى فيه الجريمة الاقتصادية يكثر فيه الصدام بين الأفراد  والدولة  وما يحصل في العصر الحاضر على مستوى الدول و المجتمعات العالمية سواء كانت نامية أو متقدمة على حد السواء من انتهاك للموارد الاقتصادية و تدمير لها أو تعطيلها واختلاس للأموال في المجتمع( ).
وتخلق الجرائم الاقتصادية أفكارا سيئة تساعد عصابات المال على التحكم في جميع نواحي الحياة الثقافية والفكرية ، الاجتماعية ، السياسية والأخلاقية ، كما تجعل الأموال محصورة في فئة قليلة من أفراد المجتمع.
و منه فإن حدوث الجريمة الاقتصادية ، بل التفكير فيها يعتبر تدميرا للمجتمع     لأن إتلاف الموارد الاقتصادية نتج عنه أضرارا اقتصادية ، تنعكس سلبا على الفرد         والمجتمع بكامله و تمس بسيادة الدولة.
الآثار الخاصة للجريمة الاقتصادية:
إن من أهم الآثار السيئة على الاقتصاد و المجتمع يمكن حصرها أهمها على النحو التالي:
1-الآثار النقدية:
يعمل هذا النوع من الجرائم على إفساد السياسات الاقتصادية النقدية و المالية  فالإجراءات المتخذة لزيادة محصلات الضرائب ، من شأنه أن يزيد في نسب التهرب الضريبي وتغيير سعر صرف العملة الوطنية مقارنة بالعملات الأجنبية يدفع بتجار العملة   إلى موازنة الصرف كي يبقى الفرق قائما بين السوق الرسمي و سوق تجارة العملة ، الشيء الذي يقلص تحصيل الدولة لمزيد من العملات الحرة.
كما أن وضع ضوابط و قيود على السلع المستوردة يزيد من حجم التهريب ، إضافة إلى أن القادرين على الضرائب يتهربون من تسديدها ، وهم في نفس الوقت يحصلون     على الخدمات ويستفيدون منها مثلهم مثل الذين يدفعون الضرائب ، مما يؤدي إلى ظهور جرائم الرشوة و الفساد و التمرد عن الدولة.
2-الآثار الإدارية:
إن للفساد المالي أثر بليغ على الآداء الإداري ، فعملية تحويل بعض الأموال العامة إلى مكاسب شخصية بدون وجه حق مستفحلة بالبلدان النامية و بالتالي فأثرها جد مدمر للآداء الإداري و التطور السياسي و الاقتصادي للبلاد برمتها، كما أن لجرائم الشيكات تأثيرا على فقدان الثقة فيها و منه تضمحل قدرتها على أداء وظيفتها( ).
3-الآثار المنعكسة على المردودية:
إن للجرائم الاقتصادية آثارا جسيمة على المردود البشري في المجالات التجارية  الصناعية و حتى الإدارية ، فإهدار الموارد البشرية و تعطيلها يؤثر على كفاءة الإنتاج للموارد البشرية ، كما هو الشأن للآثار السلبية الناجمة عن استهلاك المخدرات التي تؤثر على  سلوك و قدرة الأفراد على العمل ، فكل ذلك يعمل على تدني كفاءة العمل و مردوديته و بالتالي تدني الدخل و انخفاض مستوى المعيشة.
4-الآثار الناجمة عن التكلفة المالية لمكافحتها:
من آثار الجريمة الاقتصادية أيضا ، زيادة الإنفاق المالي لمكافحتها ، فإذا زادت تلك الجرائم دعت الضرورة إلى توجيه طاقات بشرية و مادية لمعالجتها ، وما تتطلبه من تكاليف مالية معتبرة تشكل عبئا على المجتمع ن كما تؤدي تلك النفقات إلى تقليص حجم الدخل القومي.
5-الآثار المنعكسة على النشاط الاقتصادي و الاستثماري:
للجرائم الاقتصادية أثر حقيقي على عدم الاستقرار الأمني في المجتمع ، ففي جو انعدام الاستقرار الأمني ، يجعل رجال الأعمال و المشاريع التنموية ينفرون  و يحجمون    عن استغلال رؤوس أموالهم للاستثمار بتلك البلدان ، وهذا منعكس خطير يعمل على الركود الحتمي للنشاط الاقتصادي.
و في هذا السياق نشر بجريدة الشروق مقالا بمناسبة زيارة السيناتور الديمقراطي الأمريكي ” راسل قين فولد ” للجزائر في شهر جانفي من هذه السنة بعنوان: ” قدوم المستثمرين إلى الجزائر مرهون بمحاربة الفساد ” ، ومن خلال محاورة هذا الأخير من طرف الصحافة  ذكر: ” إنه كلما انتشر الفساد في دولة من الدول إلا  و كان عقبة أمام اقتحام رجال الأعمال لميدان الاستثمار الذي يقود حتما إلى حصول التنمية الاقتصادية “( ).   
خلاصة الفصل:
إن تطور الحياة الاقتصادية و قيام الصناعات التي استنبطت نشاط الناس أدت إلى اندماجهم في مجتمعات جديدة ، قوامها على ما يبدو المصالح المادية و الإنتاجية         و الاستهلاكية  نشأت ثقافته الأولى التي تكونت عبر الأجيال بما أعطاه السابقون للاحقين   من خبرات و قيم سلوكية و أخلاقية ، و ما اكتسبه الفرد من اتصاله بمحيطه البشري ،وكانت حصيلة هذا التطور الذي اتسم بالسرعة و التغيير ، أن برزت أنماطا من السلوك المنحرف خرجت بالإنسان من إطار الجريمة الاقتصادية العادية إلى إطار الجرائم الاقتصادية المستحدثة في أساليبها و غاياتها و ضحاياها ، مما أوجد مشكلة ذات أبعاد اجتماعية و اقتصادية و حتى سياسية ، مست كيان الدول لما تحمله من أخطار على بنياتها الاقتصادية.
لا شك أن الجريمة الاقتصادية في عصرنا تشغل بال الكثير من المفكرين و العلماء ،بعد أن تكشف مدى خطورتها ،كونها استحدثت لارتباطها بالتقدم التكنولوجي والعلمي ،مما يرجح ازديادها شكلا ونوعا ، الشيء الذي يشكل تحديا كبيرا أمام المتخصصين في مجال الجريمة و الانحراف لتقديم تغيرات علمية للجرائم التي أفرزتها التقنية.
فما هي أهم أشكال الجرائم الاقتصادية المستحدثة ؟ و ما هي التوقعات المستقبلية للاتجاهات التي قد تأخذها الجريمة الاقتصادية بالجزائر ؟ هاته الأخيرة تستقطب الإجابة عنها ضمن ما يحتويه الفصل الثاني المعنون بـ: الجرائم الاقتصادية المستحدثة في عصر العولمة. 
 

Show More

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published.

Back to top button