أدب وشعرالتاريخ العالمي والإسلامي

جامع قرطبة الذي تحول إلى كتدرائية حاليًا

جامع قرطبة الذي تحول إلى كتدرائية حاليًا

بين كل تلك النزاعات السياسية في العالم الإسلامي، امتلك الحاجب المنصور دكانًا على أبواب مدينة الزهراء، حيث قصر الخليفة الجديد الحكم المستنصر الذي استكمل عهد أبيه عام 355 هجريًا، وبدأ في كتابة الرسائل ونسخ الكتب وتنقيحها مستعينًا بأسلوبه الأدبي الفريد وبيانه البديع، إلى جانب حُسن مظهره ولباقة لسانه، فكسب صداقات أعدائه المستقبليين من الصقالبة، ثم التحق كاتبًا عند قاضي الأندلس محمد بن إسحاق بن السليم الذي رشحه للحاجب جعفر المصحفي.

في تلك الأثناء ولدت الجارية المحظية عند الخليفة ابنه الأول عبد الرحمن، وتستدعي الحاجة البحث عمّن يدير أملاك ولي العهد الصغير، بالإضافة إلى كاتب رسائل لزوجة الخليفة، ويقع الاختيار على محمد بن أبي عامر، الذي سبق وأن وقع في حبها وافترق عنها، ليجتمعا في قصر السُلطان بدون ترتيب. يصف إبراهيم بيضون العلاقة بين الشاب الجميل وزوجة الخليفة: «وصل الشاب إلى قلب المرأة النافذة فاستهواها شبابه المتدفق وشخصيته الذكية ولسانه الذي أتقن صناعة الكلمة الأنيقة التي اكتسبها من احتراف الكتابة، فاستعان بتلك العلاقة فأخذ يتدرج في مناصب الدولة».

الحكم المستنصر أعجب أيضًا بشباب العامري وبعلمه بالأنساب والفقه والتاريخ، فبدا وكأن الجانب الثقافي الذي تجاهلته المحظية صُبح في شخصية زوجها، كان عاملًا فارقًا في تقريب الشاب وإسناد المهام له، فولاه دار السكة – وزارة المالية حاليًا – عام 356 هجريًا، وبعدها بعاميين أصبح قاضيًا على إشبيلية، وبعد وفاة ابن الخليفة استمر محمد بن أبي عامر في خدمة أمه التي أنجبت ولدها الثاني هشام، فأصبح وكيلًا له.

في عام 362 هجريًا أسند إليه أول مهمة سياسية لاختبار ذكائه، إذ ذهب إلى المغرب لاستمالة زعمائها للولاء للدولة الأموية في الأندلس، وبعدما نجح؛ عُيّن قاضي القضاة لعدوة المغرب، ولمّا عاد أصبح صاحب الشُرطة؛ ما يعني أنه صار الرجل الثاني في دولة الخليفة وهو لم يُكمل الثلاثين بعد.

وداخل أسوار مدينة الزهراء، شغف محمد بن أبي عامر قلب زوج الخليفة بهداياه التي كان منها قصرًا مصنوعًا من الفضة ظل حديث المدينة لأيام؛ يقول الحكم المستنصر لأحد المقربين منه: «ما الذي استلطف به هذا الفتى نساءنا حتى يملك قلوبهن، مع اجتماع زخرفة الدنيا عندهن، حتى صرن لا يصغن إلا هداياه، ولا يرضين إلا بما أتاه»، وحينها سعى الواشون به عند الخليفة بأنه يُنفق من دار السكة، وكان الاتهام صحيحًا، لكن العامري دبر حيلة واقترض من أحد الوزراء ما سدّ به عجزه، وبرأت ذمته، وازداد قُربًا من القصر.

الحاجب المنصور.. الطَموح الذي اختار المُلك على الحب

آثاره تنبيك عـن أخـباره ** حتى كأنك بالعيان تراه
تالله لا يأتي الزمان بمثله **  أبدًا، ولا يحمي الثغور سواه
*رثاء منقوش على قبر ابن أبي عامر

عقب موت الخليفة الحكم المستنصر عام 366 هجريًا، برز صراع داخل القصري الأموي حول اختيار الخليفة الجديد، فبينما تمسّك الحرس القديم ممثلًا في الحاجب جفعر المصحفي وقائد الجيش غالب الناصري، بالإضافة إلى محمد بن أبي عامر بولي العهد، أراد الصقالبة تنحية وليّ العهد وتولية عمه المغيرة بن عبد الرحمن الناصر لدين الله بدلًا عنه، وكادت خُطتهم تنجح كونهم أول من عرف بموت الخليفة، لولا أنّ كبير الخدم ارتكب خطًأ كبيرًا حين باح بخطته للحاجب الذي تظاهر بموافقته على قرارهم، ثم اتفق مع محمد بن أبي عامر – قائد الشرطة آنذاك – بأن يتولى قتل مرشَّح الصقالبة، وبذلك فاز الصغير بالعرش، واستمر نفوذ أمه في القصر، وبقي ابن أبي عامر إلى جانب أم الخليفة.

Show More

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published.

Back to top button