اللغات واللهجاتعلوم وثقافة

*** مسائل خلافية في النحو *** 5 – مَسْأَلَة (حد الْفِعْل)












     
   




الكتاب: مسائل خلافية في النحو
المؤلف: أبو البقاء عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبري البغدادي محب الدين (المتوفى: 616هـ)


  
 







 


5 – مَسْأَلَة (حد الْفِعْل)

اخْتلفت عِبَارَات النَّحْوِيين فِي حد الْفِعْل، فَقَالَ ابْن السراج وَغَيره: (حَده: كل لفظ دلّ على معنى فِي نَفسه، مقترن بِزَمَان مُحَصل) .
وَهَذَا هُوَ حد الِاسْم، الا انهم أضافوا إِلَيْهِ: لفظ (غير) ليدْخل فِيهِ الْمصدر، وَإِذا حذفت (غير) لم يدْخل فِيهِ الْمصدر، لِأَن الْفِعْل يدل على زمَان مُحَصل، ولان الْمصدر لَا يدل على تعْيين الزَّمَان.
وان شِئْت اضفت إِلَى ذَلِك دلَالَة الْوَضع، كَمَا قيدت حد


الِاسْم بذلك، وانما زادوا هَذِه الزِّيَادَة لِئَلَّا ينْتَقض ب (لَيْسَ، وَكَانَ) النَّاقِصَة.
وَقَالَ أَبُو عَليّ: (الْفِعْل مَا اسند إِلَى غَيره، وَلم يسند غَيره إِلَيْهِ) وَهَذَا يقرب من قَوْلهم فِي حد الِاسْم: مَا جَازَ الاخبار عَنهُ، لِأَن الاسناد والاخبار متقاربان فِي هَذَا الْمَعْنى.
وَهَذَا الْحَد رسمي، إِذْ هُوَ عَلامَة، وَلَيْسَ بحقيقي، لِأَنَّهُ غير كاشف عَن مَدْلُول الْفِعْل لفظا، وانما هُوَ تَمْيِيز لَهُ بِحكم من احكامه.
وَالَّذِي قَالَ سِيبَوَيْهٍ فِي الْبَاب الأول: (وَأما الْأَفْعَال فأمثلة أخذت من لفظ احداث الاسماء، وبنيت لما مضى، وَلما يكون (وَلم يَقع) ، وَلما هُوَ كَائِن لم يَنْقَطِع) . وَقد أَتَى فِي هَذَا بالغاية، لانه جمع فِيهِ قَوْله (أَمْثِلَة) ، والامثلة بالأفعال احق مِنْهَا بالأسماء والحروف، وَبَين انها مُشْتَقَّة من المصادر، وَقَوله: (من لفظ احداث الْأَسْمَاء) . رُبمَا أَخذ عَلَيْهِ انه اضاف الاحداث إِلَى الْأَسْمَاء،


والأحداث للمسميات لَا للأسماء. وَهَذَا الْأَخْذ غير وَارِد عَلَيْهِ لوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا ان المُرَاد بأحداث الاسماء مَا كَانَ فِيهَا عبارَة عَن الْحَدث، وَهُوَ الْمصدر، لانه من بَين الاسماء عبارَة عَن الْحَدث، وَهُوَ من بَاب اضافة النَّوْع إِلَى الْجِنْس.
وَالثَّانِي: انه أَرَادَ بالاسماء المسميات، كَمَا قَالَ تَعَالَى {مَا تَعْبدُونَ من دونه إِلَّا أَسمَاء سميتموها أَنْتُم وآباؤكم} والاسماء لَيست معبودة، وانما المعبود مسمياتها.
وَقَوله: (بنيت لما مضى) الْفَصْل، اشارة إِلَى دلالتها على أَقسَام الزَّمَان: الْمَاضِي، والحاضر، والمستقبل.
فَإِن قيل: يرد على الْحُدُود كلهَا (لَيْسَ) و (كَانَ) النَّاقِصَة، واخواتها، فانها افعال، وَلَا تدل على الْحَدث. وتنعكس بأسماء الْفِعْل نَحْو: صه، ومه، ونزال. فانها اسماء وَقد دلّت على الزَّمَان.
وَالْجَوَاب:
أما (لَيْسَ) فقد ذهب قوم إِلَى انها حرف وَذَلِكَ ظَاهر فِيهَا، لانها تَنْفِي مَا فِي الْحَال. مثل مَا النافية، وَلَا تدل على حدث وَلَا


زمَان، وَلَا تدخل عَلَيْهَا (قد) وَلَا يكون مِنْهَا مُسْتَقْبل.
وَقَالَ الاكثرون: هِيَ فعل لَفْظِي، بِدَلِيل اتِّصَال عَلَامَات الافعال بهَا، كتاء التَّأْنِيث، نَحْو: لَيست. وضمائر الْمَرْفُوع نَحْو: ليسَا، وَلَيْسوا، ولسن، وَلست، وَلست. وانما اقْتصر بهَا على بِنَاء وَاحِد لانها تَنْفِي مَا فِي الْحَال لَا غير، فَهِيَ كَفعل التَّعَجُّب، وحبذ.
وَأما (كَانَ) النَّاقِصَة فأصلها التَّمام، كَقَوْلِك: قد كَانَ الْأَمر، أَي حدث، وَلَكنهُمْ جعلُوا دلالتها على الْحَدث وَبقيت دلالتها على الزَّمَان، وَهَذَا امْر عَارض لَا تنقض بِهِ الْحُدُود الْعَامَّة.
وَأما (صه) وَأَخَوَاتهَا فواقعة موقع الْجمل، ف (صه) نَائِب عَن: اسْكُتْ. و (مَه) عَن: اكفف. و (نزال) عَن: انْزِلْ. وَغير مُمْتَنع ان يوضع الِاسْم أَو الْحَرْف مَوضِع غَيره، الا ترى انك إِذا


قلت: مَا قَامَ زيد كَانَ ذَلِك جملَة. وَإِذا قَالَ الْمُجيب: بلَى. كَانَ حرفا نَائِبا عَن اعادة الْجُمْلَة، فَكَأَنَّهُ قَالَ: قد قَامَ زيد.
وَالله أعلم.


 
  




  

Show More

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published.

Back to top button